زهرة الأقحوان.. أول منظمة نسوية فلسطينية تعود إلى ما قبل النكبة

“زهرة الأقحوان” هي واحدة من أشهر زهور فلسطين البرية، ولكنها أيضا اسم لأول منظمة نسوية فلسطينية نشطت في مقاومة الاحتلال وأدارت هجمات عسكرية استهدفت العصابات الصهيونية في مدينة يافا قبيل نكبة عام 1948.

الشقيقتان مهيبة وناريمان خورشيد

أكد بحث صدر عام 2006 بعنوان “أدوار المرأة الفلسطينية في الأربيعينيات: المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية اعتمد منهج التاريخ الشفوي، للباحثة الفلسطينية فيحاء عبد الهادي، أن مؤسستي المنظمة هما الشقيقتان مهيبة وناريمان خورشيد.

بعد تأسيسها عام 1947، بدأت المنظمة بتقديم خدمات طبية تمريضية بالإضافة لمساعدة الطلاب والطبقات الفقيرة، إلا أن عملها تحول إلى الكفاح المسلح بعد أن شنت “زهرة الأقحوان” عدة عمليات عسكرية، وقد انضمت للمنظمة عدة نساء فلسطينيات وبعض الرجال العرب والأجانب.

واستمرت المنظمة في العمل حتى تاريخ النكبة وتهجير غالبية أهالي فلسطين التي احتلت عام 1948.

وفي عام 1998، تمكنت الباحثة آمال الآغا برفقة فيحاء عبد الهادي من الوصول إلى مكان إقامة الشقيقتين في القاهرة. وأجرت مقابلة مع مهيبة خورشيد (ولدت مهيبة خورشيد عام 1925 في يافا وتوفيت 1999عام في القاهرة). كما أجرت الآغا مقابلة مع ناريمان خورشيد في العام نفسه.

في عام 1988، تمكنت آمال الآغا ومعها فيحاء عبد الهادي من الوصول إلى مكان إقامة الشقيقتين في القاهرة، فأجرت مقابة مع مهيبة وناريمان خورشيد في العام نفسه.

ولدت مهيبة خورشيد عام 195 وتوفيت عام 1999 في العاصمة القاهرة.

نقطة التحول

تذكر مهيبة خورشيد في مقابلتها أن نقطة التحول من نشاطها الاجتماعي والتعليمي إلى العسكري عندما “شاهدت بأم عيني كيف تلقى طفل بعمر السادسة تقريبا، رصاصة قاتلة أمام أمه باب منزلهما في يافا.. يومها عدت إلى البيت وقررت الانتقام”.

وقالت خورشيد “منذ ذلك الحين بدأت مراسلات مع القائد عبد القادر الحسيني (استشهد في معركة القسطل أبريل/نيسان 1948)”.

وخلال مقابلة مهيبة خورشيد، حصلت الباحثات على وثائق لم تنشر سابقا عن المنظمة وأهمها “القسَم السري” الذي أدته الفتيات عند انضمامهن للمنظمة، ويعود إلى تاريخ 20 فبراير/شباط 1947. ونصه “أقسم بشرفي وديني وملتي على موالاة مبدئي، وبذل الغالي والنفيس في سبيل الخير والمساعدة لكل محتاج وضعيف، أشهدت رب العالمين على ما ذكرت، كما أنني لا أبوح به حتى الموت”.

ووقعت عليه صبحية عوض وخديجة كيلاني ومديحة البطة ونجمة عكاشة وميسر ضاهر وسنية إيراني وفايزة شلون ومبرة خالد.

وتقول فيحاء عبد الهادي إن معظم من وصل إليهن من عضوات المنظمة المذكورات في وثيقة القسم، رفضن الحديث أو أنكرن عضويتهن، كما ” تعللت مؤسستا المنظمة بضعف الذاكرة” عند السؤال عنهن وعن تفاصيل عملياتهن. وقدرّت عبد الهادي أنهن أردن الحفاظ على سرية القسم والمنظمة حتى الممات.

كانت مهيبة خورشيد معلمة رياضيات، ونشطت في مجال الرسم والنحت والعزف على الكمان، لكنها قررت التوجه للعمل العسكري، وبادرت مع شقيقتها ناريمان، وهما ابنتان لعائلة يافاوية ميسورة، لتأسيس المنظمة.

ناريمان خورشيد في صورة وثقتها باحثات فلسطينيات ومصدرها عائلتها

شعار “زهرة الأقحوان”

وحتى بعد 50 عاما من نكبة فلسطين، كانت مهيبة خورشيد تضع شعار “زهرة الأقحوان” على صدرها. ولم يكن شعارا عاديا للمنظمة، لكنه “الدبوس أو البروش المصنوع من الصدف على شكل زهرة أقحوان”، والذي وصلها كهدية من المهاتما غاندي بعد أن سمع بنضال المنظمة.

وسميت الجمعية باسمها الذي يدل على الحياة والجمال والديمومة، كما أن مؤسستها مهيبة خورشيد تأثرت بالزهرة القرمزية رمز الثورة الفرنسية، بالإضافة إلى ارتباط الأقحوان بربوع فلسطين ورمزية جمال الطبيعة والحرية التي يسعى إليها الفلسطينيون، كما قالت خورشيد نفسها.

في مقالة نشرت بمجلة “آخر ساعة” قبل عقود، حصلت عليها الباحثتان، تروي مهيبة خورشيد بعض التفاصيل عن عمليات المنظمة.

وتقول مهيبة إنها نشطت مع أختها ناريمان في نشر الدعوة لتأسيس المنظمة بين “آنسات الطبقة المستنيرة” في يافا، فانضمت إليهن 12 فتاة عربية، وقررن مهاجمة عناصر منظمة الهاغاناه الصهيونية “في مواقعهم ومخابئهم” بعد أن تهيأت لهن فرصة التسلح بالمدافع الرشاشة والبنادق.

فيحاء عبد الهادي تضع شعار زهرة الأقحوان على صدر مهيبة خورشيد في بيتها بالقاهرة في 1988 (الجزيرة)

هجمات مباغتة ضد العصابات الصهيونية

واعتمدت المنظمة على شن هجمات مباغتة ضد العصابات الصهيونية، وقالت خورشيد إن “قوات المجاهدين العرب كانت تحمي ظهورنا وتشد أزرنا”.

وذكرت خورشيد “حدث ذات مرة أن قررنا مهاجمة وكر صهيوني كانت تكمن فيه جماعة منهم تنزل بالقرى العربية أذى كبيرا، وحاول إخوتنا العرب أن يصرفونا عن هذا العمل لخطورته ولكننا لم نتردد وهاجمنا الوكر الصهيوني في ظلام الليل.. حاول رئيسهم أن يهاجمنا فعاجلته برصاصة أردته، فرفع الباقون أيديهم وسلموا أنفسهم فسقناهم إلى المعسكر العربي”.

وفي إحدى الهجمات، تروي خورشيد أنها كادت تقع في الأسر بعد أن نفدت ذخيرتها وأصابتها الشظايا لكن عددا من المجاهدين العرب هبوا لنجدتها.

وتقول إنها لاحظت بعد هذه الحادثة أن ذخيرة المجاهدين الفلسطينيين جميعا بدأت بالنفاد، فقررت السفر إلى عمّان وقصدت القصر الملكي لطلب الدعم بالسلاح. لكنها ذكرت في مقابلتها عام 1998 أنها أرسلت شقيقتها ناريمان لطلب الدعم من خارج فلسطين.

في إطار عملهن السري، تقول فيحاء عبد الهادي إن عضوات المنظمة ارتدين لباس الرجال ووضعن اللثام للتخفي في هيئة رجال.

ولا يزال “السروال” الذي ارتدته ناريمان خورشيد في عمليات المنظمة موجودا لدى عائلتها في القاهرة إلى جانب منظار عسكري استخدمته عضوات المنظمة في الرصد والمتابعة.

شعار زهرة الأقحوان على صدر مهيبة خورشيد في بيتها بالقاهرة (الجزيرة)

منظمة عسكرية نسوية

وفي إطار التدريب، سافرت ناريمان خورشيد قبل شهور من النكبة إلى مصر لتعلم الطيران، وكان حلمها أن تستخدم هذا في المقاومة، وما زالت عائلتها تحتفظ بصورتها بلباس الطيارين إلى جانب طائرة في أحد المعاهد العسكرية المصرية بمنطقة “إمبابة”.

ووثق البحث الذي دون في كتاب “أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينيات: المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية” تجارب نسوية هامة قبل النكبة خاصة، ومنها مشاركة النساء في تدريبات عسكرية مثل تجربة ميمنة ابنة الشهيد عز الدين القسام وأخريات تدربن على يده شخصيا قبل استشهاده عام 1935.

لكن تجربة تشكيل منظمة عسكرية نسوية كزهرة الأقحوان، تعبر برأي عبد الهادي، عن تطور نشاط النساء في المقاومة خاصة وفي العمل الوطني عامة. كما يعكس الإيمان بقدرتهن على التخطيط وقيادة مهمات عسكرية وتجنيد المال والسلاح لها، في حين كان الاعتقاد أن ذلك حكر على المجاهدين من الرجال.

المصادر: الجزيرة – أدوار المرأة الفلسطينية في الأربيعينيات: المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية

لا توجد تعليقات