في الذكرى ال 73 لنكبة فلسطين.. قراءة في مسلسل “التغريبة الفلسطينية”..

خُذلانٌ جديدٌ وخيبات أملٍ بحلم العودة ووعودٌ كاذبة ودولةٌ مزعومة ولاجئٌ يروي الحكاية.

“التغريبة الفلسطينة” هو مسلسل درامي من كتابة وليد سيف وإخراج الراحل حاتم علي تم عرضه على الشاشات العربيةعام 2004، يتتبع أبرز الأحداث المحورية عبر تاريخ القضية الفلسطينية منذ الانتداب البريطاني وما رافقه من ثورات شعبية وفصائل ثورية، ثم ما تلى من أحداث النكبة الفلسطينية وما بعد ذلك من محاولات اللاجئ الفلسطيني لاقتلاع الخيمة والمضي في صراعات الحياة.

بطريقة تخلده في الذاكرة الفلسطينية الحية، يعرض المسلسل الأحداث والشخصيات بطريقة لا تركز فقط على التغيرات السياسية في القضية الفلسطينية، بل تستعرض أيضاً تفاصيل الحياة الاجتماعية في القرى والمدن الفلسطينية بمختلف أطيافها وشرائحها.

 

وبذلك يشعل مسلسل التغريبة فتيل القضية الفلسطينية عبر الأجيال، حتى في ظل المحاولات الاسرائيلية الحثيثة لتهويد معالم الأرض ومقدساتها، تاريخها وواقعها.

 

تبدأ أحداث المسلسل في إحدى قرى فلسطين عام 1933، خلال فترة الاتداب البريطاني، إذ لم يذكر اسم القرية حتى تكون رمزاً لكل القرى الفلسطينية في ذلك الوقت، ويتناول المسلسل عائلة “صالح اليونس” من “حمولة السبعاوي” والتي تعتبر عائلة فقيرة مغتربة لا أصول لها في تلك القرية.

 

يسترجع “علي”، الابن الرابع لعائلة اليونس والروائي المثقف، أحداث المسلسل بعد أن عاد للمخيم لوداع أخيه المريض “أبو صالح” في مشهد تراجيدي، حيث كان أبو صالح اسمُ يحيل للبطولة في العائلة وفي تاريخ الفلسطينيين آنذاك بعد أن كان قائد فصيل في الثورة الفلسطينية الكبرى.

 

تتسارع أحداث المسلسل وتنتهي بالثورة الفلسطينية التي يرحل معها أبطالها، ولكنها تبقى في ذاكرة أبو صالح الذي كان أحد قادتها، والتي لم تستطع محكمة الثورة إيقافها.

 

يموت أبو صالح على فراشه دون أن تكتب عنه الصحف أو تخلد سيرته الكتب متأثراً بإصابة قديمة بعد أن كان “جواداً برياً لم يسرج بغير الريح”.

 

تتميز كل شخصية في المسلسل بدورها الذي مثل قصة حقيقية لا نجدها إلا في ذاكرة من شهد تلك الوقائع ، فمثلا شخصيتي “علي” “وحسن” الشقيقان والصديقان اللذان اعتادا مغامرات القرية في الطفولة ظناَ منهما أن الحياة تقتصر عليها، ولكن سرعان ما مضا كل منهما في طريقه، حيث ذهب علي للمدينة قاصدا العلم والكتابة والنحو، بينما بقي حسن في القرية يتعلم لغة النهر والصخر والسنبلة.

 

وقع حسن في حب  فتاة القرية “جميلة” التي توفيت لعدم انصاف القرية لها، والتي أحبها حسن بعد أن غنت جميلة “يا ظريف الطول”، الأغنية التراثية الشهيرة.

 

بعد وفقاتها، فقد حسن معاني الحياة ورأى أن فقدان فلسطين هو فقدان آخر لجميلة، فاختار أن يكون هو ظريف الطول الذي استشهد مدافعاً عن ما تبقى من أرضه، وترك “علي” يبكي ظلم الناس والحياة ليختتم كلامه عن حسن قائلاً: “حسن، أيها الشاب النبيل الذي ظلمناه وأنصفته الأرض.”

 

افتتح المسلسل بالشارة التي غناها عامر الخياط والمأخوذة عن قصيدة “الفدائي” للشاعر الفلسطيني الراحل إبراهيم طوقان، ولقد شمل المسلسل على العديد من أغاني التراث الفلسطيني، ففي العرس الفلسطيني غنوا “يا حلالي يا مالي” أما في مشهد وداع العريس “عبد” بعد استشهاده غنوا “قولوا لأمو تفرح وتتهنى” وكانت “يا ظريف الطول” هي أغنية جميلة لحسن في المشهد الأخير من المسلسل، هذا وغنت الفنانة أصالة قصيدة “أيه المارون” للشاعر والكاتب الفلسطيني محمود درويش.

يروي “علي” أحداث المسلسل التي شملت فترة زمنية طويلة والتي ساعد على اختصارها أسلوب الرواية وقصتها التي رويت باللغة العربية الفصحى، ولكن تحدث أهل القرى بلهجة فلسطينية واضحة هي أكثر قرباً للهجة فلسطينيي طولكرم، أما أهل المدينة مثل الدكتور أكرم السويدي وعائلته وعائلة زوجة أبو صالح وغيرهم من مدن حيفا ويافا، فلقد تحدثوا باللهجة المدنية التي نسمعها ليومنا هذا على ألسنة فلسطينيي المدينة.

 

يختتم الممثل والمخرج الراحل حاتم علي المسلسل بنهاية مفتوحة أدى فيها دور “رشدي” حفيد العائلة الأكبر الذي فقد والده في الثورة الفلسطينية وتاه عن والدته في أحداث النكبة ليعيش مع عائلة اليونس في مخيمات طولكرم.

 

رشدي يحتفظ بالبارودة التي حاربت الانتداب والنكبة في مكان لا يعلمه سواه، ولكن في أخر دقائق المسلسل ومع كلمات درويش القائلة: “علينا نحن أن نحرس ورد الشهداء، علينا نحن أن نحيا كما نحن نشاء” يخرج رشدي البارودة ليعلن استمرار روح الكفاح المسلح، وليعلن الفلسطينيون أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بها.

 

يستمر هذا العمل الدرامي بتصحيح ما اختلط من حقائق، وفي الوقت ذاته، يحاول المطبعون مع الكيان الإسرائيلي الغاصب محاربة أبسط ما قد ينتشل شعوبهم من ظلمات الجهل فنرى بعض الدول المطبعة تمنع عرض المسلسل على فضائياتها وتمنع أي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو ديني يوضح حقيقة الأمر.

اليوم, تتشابه الوقائع على هذه الأرض, لم تتوقف قضية تهجير الفلسطينيين قسراُ من بيوتهم وأراضيهم على ما عُرض في المسلسل وشهده الفلسطينيين في عام 1948 و1967، حيث  يقوم الاحتلال الإسرائيلي بمحاولة تهجير وطرد أكثر من 28 عائلة من حي الشيخ جراح الواقع في الجانب الشرقي من البلدة القديمة في القدس لصالح جمعيات استيطانية إسرائيلية.

 

اليوم، يعيد التاريخ نفسه في حلقته المفرغة، أو يستمر في خط مستقيم، فيستمر الاحتلال الاسرائيلي في اقتلاع الفلسطينين، بينما يدافع أبناء الأرض عن تاريخهم وأرضهم في مشهد يوحد الصف الفلسطيني، فها هي  غزة هبت نصرة للقدس وأهلها.

 

تشهد غزة اليوم أكثر من 42000 حالة نزوح للغزيين إلى مدارس وكالة الغوث بعد أن دمر سلاح الجو الاسرائيلي بيوتهم كلياً أو جزئياً في هجماته الدموية على القطاع.

 

تميز المسلسل، وأتقن تمثيل الحياة الفلسطينية آنذاك، عاد معه الفلسطينيون إلى بلادهم وشهدوا حياة الفلاح الهادئة، حاربوا الانتداب وانتصروا فخذلوا، جاءت النكبة وانتزعت الفلسطيني من أرضه مكسوراً مهزوماً لا جبر له إلا بعودته لبيته الذي ظن أن الباب والحجر سيحفظه من التهويد.

 

خُذلانٌ جديدٌ وخيبات أملٍ بحلم العودة ووعودٌ كاذبة ودولةٌ مزعومة ولاجئٌ يروي الحكاية.

لا توجد تعليقات